الشيخ محمد رشيد رضا

27

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وعدم صحته نقول : إن فيه مبالغة في التعظيم عظيمة جدا ولكنها ( ويا للأسف ) لا تزيد عن تعظيم التراب الذي يؤخذ من بعض الأضرحة ابتغاء هذه المنافع والفوائد نفسها . أقول : ونحو هذا ما يعلق على الأطفال من التعاويذ والتناجيس « 1 » كالخرق والعظام والتمائم المشتملة على الطلسمات والكلمات الأعجمية ، المنقولة عن بعض الأمم الوثنية ، هذا الضرب من تعظيم القرآن نسميه - إذا جرينا على سنة القرآن - عبادة للقرآن لا عبادة للّه به ( ثانيهما ) الهزة والحركة المخصوصة والكلمات المعلومة التي تصدر ممن يسمعون القرآن ، إذا كان القارئ رخيم الصوت حسن الأداء عارفا بالتطريب على أصول النغم . والسبب في هذه اللذة والنشوة هو حسن الصوت والنغم ، بل أقوى سبب لذلك هو بعد السامع عن فهم القرآن . وأعنى بالفهم ما يكون عن ذوق سليم تصيبه أساليب القرآن بعجائبها ، وتملكه مواعظه فتشغله عما بين يديه مما سواه . لا أريد الفهم المأخوذ بالتسليم الأعمى من الكتب أخذا جافّا لم يصحبه ذلك الذوق ، وما يتبعه من رقة الشعور ، ولطف الوجدان اللذين هما مدار التعقل والتأثر ، والفهم والتدبر . لهذا كله يمكننا أن نقول : إن الجاهلية اليوم أشد من الجاهلية والضالين في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأن من أولئك من قال اللّه تعالى فيهم « يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ » * ومعرفة الحق أمر عظيم شريف نعم ربما كان إثم صاحبها مع

--> ( 1 ) التعاويذ : جمع تعويذ ، ويقال عوذ جمع عوذة ( كغرفة وغرف ) وهو الرقية وما يعلق من كتابة وغيرها على الانسان للوقاية من العين والجن والفزع ، ومثلها التناجيس : جمع تنجيس وتسمى العرب المعوذ الذي يعلق هذه الأشياء المنجس ( بكسر الجيم المشددة ) والمعلقة عليه المنجس ( بفتحها )